أبي بكر جابر الجزائري

452

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

معنى الآيات : قوله تعالى وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي وأوحى إلي أن لو استقام هؤلاء المشركون من كفار قريش استقاموا على الإيمان والتوحيد والطاعة لله ولرسوله - وهم يشكون القحط - لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً « 1 » فتكثر أموالهم وتتسع أرزاقهم ، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنختبرهم في ذلك الخير الكثير أيشكرون أم يكفرون ؟ ثم إن شكروا زادهم ، وإن كفروا سلبهم وعذبهم . وقوله تعالى وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ أي القرآن وما يدعو إليه من الإيمان وصالح الأعمال ولم يتخل عن الشرك وسوء الأفعال يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً « 2 » أي ندخله في عذاب شاق في الدنيا بالذل والمهانة والفقر والرذالة والنذالة . وفي الآخرة في جهنم حيث السموم والحميم ، والضريع والزقوم . وقوله وَأَنَّ الْمَساجِدَ « 3 » لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً أي ومما أوحي إلي أن المساجد لله فإذا دخلتموها للعبادة فلا تدعو فيها مع الله أحدا إذ كيف البيت له وأنت فيه وتدعو معه غيره زيادة على أن الشرك محرم وصاحبه في النار فإنه من غير الأدب أن يكون المرء في بيت كريم ويدعو معه غيره من فقراء الخلق أو أغنيائهم وقوله وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً أي وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يدعو ربه في الصلاة ببطن نخلة كاد الجن أن يكونوا عليه لبدا أي « 4 » كالشئ المتلبد بعضه فوق بعض . وقوله قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً هذا إجابة لقريش عندما قالوا له صلى الله عليه وسلم لقد جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك أي نحفظك فأمر أن يقول لهم إنما أدعو ربي أي أعبده إلها واحدا ولا أشرك به أحدا . وأن يقول أيضا إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ يا معشر قريش الكافرين ضَرًّا وَلا رَشَداً أي ضلالا ولا هداية انما ذلك لله وحده يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأمر أن يقول لهم أيضا إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إن أنا عصيته وأطعتكم ، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ أي من غيره مُلْتَحَداً « 5 » أي ملتجأ التجأ إليه . وقوله إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ أي لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله

--> ( 1 ) غدقا أي واسعا كبيرا ، يقال غدقت العين تغدق فهي غدقة إذا كثر ماؤها . وهذا الوعد الإلهي المشروط هو عام في الناس أجمعين وفي كل زمان ومكان وهو كقوله . ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولما استقام السلف الصالح حصل لهم هذا الموعود كاملا . ( 2 ) روى عن ابن عباس أن العذاب الصعد جبل في جهنم يكلفون صعوده وكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت . وهو ضرب من أنواع العذاب في دار الشقاء . ( 3 ) جائز أن يكون المراد بالمساجد أعضاء السجود السبعة لحديث إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب أي أعضاء ويقوى هذا الجواز قول عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها فلا تذللها لغير خالقها . وما في التفسير أولى بالآية . ( 4 ) اللبد جمع لبدة بكسر اللام وسكون الباء كقربة وقرب وهي ما تلبد بعضه على بعض ومنه لبدة الأسد وهي الشعر المتراكم في رقبته . ( 5 ) شاهده قول الشاعر : يا لهف نفسي ولهفي غير مجدية * عني وما من قضاء الله ملتحد